محمد متولي الشعراوي

2841

تفسير الشعراوى

موسى للرسالة ، حدثت هذه الواقعة وهو ذاهب إلى شعيب ، ولم يكن رسولا بعد ، مما يدل على أن فطرية الإيمان كانت موجودة عنده ، وأن اللّه قد صنعه على عينه ، لقد ورد ماء مدين ووجد الفتاتين تذودان وتطردان الماشية عن الماء ، فماذا دار بينه وبينهما من حوار ؟ . وكيف كانت رؤيته لهما أولا : وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 ) ( سورة القصص ) وفي قول المرأتين : « لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ » قدر من المبادئ فخروجهما من البيت سببه أن الأب شيخ كبير ، ومع أنهما في ضرورة وخرجتا للعمل فلم تنس واحدة منهما أنها أنثى يجب أن تحترم أنوثتها فقالتا : « لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ » أي أنهما ستسقيان من بعد أن يذهب الزحام من الرجال حول البئر . إذن فقد أخذت بنتا شعيب الضرورة في حجمها ولم تتخذ إحداهما من الضرورة حجة لإهدار الأنوثة والتزاحم للوصول إلى البئر . فماذا حدث من موسى ؟ . ( فَسَقى لَهُما ) . تلك الهمة الإيمانية التي وجدت في موسى قبل أن يصير رسولا وذلك ما يوضحه لنا الحق حتى لا يقول إنسان : كيف أكون مثل رسول من عند اللّه ؟ . كأن الهمة الإيمانية التي وصفتها تلك اللقطة القصصية توقظ مسؤولية كل مؤمن ليسلك مثل هذه السلوك . فعندما يرى امرأة قد خرجت عن محيط بيتها لأي عمل ، فعليه أن يقضى لها حاجتها حتى ترجع إلى بيتها وذلك دون أن يتخذ من ذلك ذريعة ووسيلة إلى أمر ينزل بهمته وينال من مروءته . ولو انتشرت بيننا تلك الهمة الإيمانية لما وجدنا امرأة في الطريق إلا للضرورة . لقد أوضحت لنا تلك اللقطة القصصية حرص المرأة على موضعها وموقعها من الستر ، فتقول واحدة من المرأتين لأبيها شعيب بعد أن استقدمه ليجزيه أجر ما سقى لهما : يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ( من الآية 26 سورة القصص )